مازال سوء الإنجاز والغشّ في أحيان كثيرة يطبعان مشاريع التنمية التي تُطلقها السلطات العمومية لتحسين حياة الساكنة والارتقاء بنمط العيش إلى نموذج يجمع كرامة المواطنين بالعصرنة التي يتوقون إليها. وإن كان بعض المقاولين قد اعتادوا ضرب مقاييس الإنجاز عرض الحائط، وألقوا بدفاتر الشروط وراء ظهورهم سعيا وراء صكوك العمليات قصد توسيع هامش الربح، باعتبار انّ مثل هذه العمليات لا تعدو أن تكون تجارية بحتة. إلا أنّ السلطات القطاعية والمحلية تتحمّل المسؤولية كاملة في تحايل أو عجز المقاولات في الالتزام بالانجاز وفق المقاييس المُتّفق عليها في دفاتر الشروط والمُتعارف عليها، فرئيس البلدية سواء ارتدى قبّعة المنتخب أو قبّعة ممثل الدولة، ملزم بمتابعة المشاريع التي تُنجّز ببلديته سواء كان صاحب المشروع أو كان المشروع قطاعيا. كما أنّ رئيس الدائرة بصفته مُمثّلا لوالي الولاية مُلزّم على التأكّد من سلامة المشاريع التي تُطلقها السلطات العمومية في مجاله الإقليمي مهما كانت صيغتها.
ولسوء حظّ سكان شرشال ونشطائها الذين انتظروا طويلا تحسين الواجهة البحرية أو إقامة مسار سياحي شرق الميناء، أنّ الانطلاقة في عملية تحسين هذه المنطقة كانت فاشلة بشكل غريب يُعيد طرح أسئلة جوهرية. حيث يشهد الحائط قيد الإنجاز تصدّعات رهيبة قبل إتمام إنجازه، ما سيجعله تالفا تماما فور انتهاء المشروع.
رُصدت لهذا الحائط ميزانية تتعدى عشرين مليون دينارا، كونه سيكون حاجزا ومُزيّنا لهذا المسار السياحي، غير أنّ طريقة إنجازه ستجعل من هذا الطريق الساحلي نقطة سوداء، كما سيشكّل خطورة كبيرة جرّاء سقوط أجزاء منه قبل انهاء الأشغال.
ويتساءل متتبّعو الشأن المحلي عن دور المتابعة سواء من قِبَل مديرية التعمير والهندسة المعمارية والبناء لولاية تيبازة باعتبارها صاحبة المشروع، أو من قِبَل مصالح دائرة شرشال وبلديتها، حيث كشف الواقع حقيقةً أُخرى وهي غياب آليات المراقبة رغم توفّر الأدوات القانونية والإدارية، فتشييد سور حجري على أرضية هشّة غير مستقرّة بشكل مباشر لا يمكن أن يخفى مصيرُه على الفنيين التابعين للسلطات المحلية
وظلّت الواجهة البحرية لشرشال محلّ اهتمام المجتمع المدني ونشطاء الجمعيات المحلية منذ سنوات طويلة، وإذ تستفيد من مشروع لتهيئتها يكون مصيرُه تشويه المُحيط بدل تزيينه وتحسينه. وحرصت السلطات المحلية لتكون هذه المنطقة ضمن برنامج الزيارة الأخيرة لوالي تيبازة محمد أمين بن شاولية منتصف ديسمبر المنصرم، ما يوحي بأهمية هذا المشروع الذي وُلد مُشوّها. غير أنّ الطابع البروتوكولي للزيارة لم يسمح بمعاينة دقيقة للأشغال التي قيل آنذاك أنّها بلغت نسبة 50 بالمائة، فالوالي بن شوالية أكّد علنية حرصه على نوعية الانجاز واحترام مدّته عند قيامه باتخاذ قرارات ميدانية ضد مقاول.
وكان وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل السعيد سعيود قد شدّد في تصريحات على مدى الأشهر الماضية على تكثيف المتابعة الميدانية من قبل مسؤولي البرامج المحليين، والحرص على الالتزام بمعايير الإنجاز وجودة الأشغال، مع إيلاء أهمية خاصة للتهيئة والتحسين الحضريَيْن، والنظافة، والإنارة العمومية، وتعميم المساحات الخضراء بما يضمن إطارًا معيشيا لائقًا. وتحقيق استدامة المشاريع وتعزيز التنمية المحلية.
ويُشار أنّ مثل هذه العمليات تدخل في إطار برنامج رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لعصرنة المُدن من خلال التهيئة والتحسين الحضري والذي يمسّ كلّ بلديات الوطن برصد ميزانية هامة من أجل تحسين جودة الحياة والارتقاء بنمط عيش المواطنين. إلا أنّ ما يحدث بالواجهة البحرية للمدينة العتيقة يوحي بوجود قوى تعمل على إجهاض هكذا مشاريع التزم بها رئيس الجمهورية أمام المواطنين. فمثل هذه النتائج ليست خطأ منفردا لمقاولة، بل هي سوء إدارة المشاريع من طرف كلّ السلطات المتدخّلة في هذه العمليات، بدءًا من عملية منح الصفقات إلى المتابعة الميدانية والسهر على الإنجاز وِفق دفتر الشروط.
وفي قضية الحال، فمن المؤكّد أنّ هذا السور لن يُعمّر سوى أشهر معدودات، ليصبح الوضع كارثيا، خصوصا وأنّ هذه الواجهة تستعدّ لاستقبال السواح والمنتزّهين من خلال المرافق المُزمع تجهيزها (مواقف سيارات، أكشاك)، فهل سيتمّ استدراك الوضع بكيْسَيْن من الإسمنت لذرّها في العيون بترقيع سيمدّد عُمُر هذا السور لأشهر أخرى…
حسان خروبي








