الحدث كل الولاية

تقضي الثامن مارس بعيدا عن أجواء الحفلات والتكريمات: خالتي حورية حكاية عجوز كرّست حياتها لراحة الآخرين وأحبت النظافة حتى النخاع

في مزرعة كرفة محمد المعروفة محليا بـ”جرمان” على بعد أقل من كيلومترين عن بلدية بورقيقة، تعكف خالتي حورية ب.ع، التي تبلغ من العمر ما يقارب الثمانين على تنظيف أرجاء من الحي الريفي ومحيط مسكنها وقارعة الطريق الوطني رقم 42، وليس بغريب أن نصادف عجوزا في الطريق، ولكن العجب أن نجد أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليها بالصحة والعمل الصالح وطول العمر والنشاط والحيوية، دون خرف أو ”زهايمر” أو أعراض تقدم السن، وبدون أن تشكو من علة أو مرض عصري بات ينخر الأبدان.

عادة ما نرى أن الإنسان في هذا العمر كثير اللغو أو الثرثرة، وربما يهذي طوال الوقت، إلا أننا وجدنا أن خالتي حورية تحسن الحديث وتتقن اللغتين العربية والفرنسية وتتكلم بطلاقة كما تتميز بروح الدعابة لتلطّف الجو إلى جانب تنظيفها للأرض المسقية بدماء الشهداء من الأوساخ المتراكمة يوميا، لا سيما وأنها مولودة في شهر الثوار وبالضبط في الفاتح نوفمبر من العام 1941.

حين التقيناها، كان ذلك بمحض الصدفة، عندما كنا في طريقنا نحو بلدية بورقيقة لتناول موضوع آخر، وفجأة برزت خالتي حورية على قارعة الطريق وهي منهمكة بتنظيف المكان ما أثار فضولنا….اقتربنا منها فوجدناها تحرص كل الحرص على حشد الأوساخ من أجل جمعها وحرقها لاحقا بدل انتظار شاحنة جمع القمامة التي لا تزور الحي إلا مرتين في الأسبوع حسبها، كانت تقوم بكل ذلك وكأنها في عمر الشباب بنشاط غير عادي•

فقدانها لخمسة من أبنائها لم يثنها عن حب الخير وتحدي الصعاب

قالت وهي تنظف رغم اعتراض زوجها وأبنائها خوفا عليها بسبب الكسور التي تعرضت لها منذ ثلاث سنوات على مستوى الرجل اليمنى وإجرائها لعمليتين جراحيتين سابقا، وعلقت على ذلك قائلة: دائما ما أسألهم: لماذا ؟ هل تريدون أن أصبح كسيحة من فرط الخمول والكسل؟
قصة خالتي حورية مع الزمن فيها تحدٍ وصبر، فهي التي فقدت خمسة من أبنائها قبل أن يولدوا وهي في ريعان شبابها وعنفوانها، فقد كانت زوجة سعيدة وصغيرة منذ ما قبل الاستقلال، حيث روت لنا أنها تزوجت في العام 1958 وهي في الـ17 من عمرها وزوجها كان يفوقها بعام واحد فقط آنذاك ولا تزال في أوج نشاطها حتى اليوم وقد حفظ الله لها كل حواسها.
وأكملت محدثتنا أن يومها يبدأ من آذان الفجر وتقضيه بين طاعة المولى عزوجل والعمل، رغم أن من حولها ليسوا بحاجة إلى مساعدتها، إلا أنها لا تقدر على البقاء دون أن تنظف أو تقوم بالأشغال المنزلية بمفردها دون انتظار كناتها اللواتي يعشن معها في نفس المنزل العائلي الكبير.

شعارها: الأرض التي نسكن عليها تعطينا بقدر ما نعطيها

تعمل على نظافة البيئة المحيطة، وهي تقول عن ذلك: إن الأرض التي نسكن عليها تعطينا بقدر ما نعطيها، وتكون بخير طالما نعتني بها، وكل حصاة -كما ذكرت الأحاديث الشريفة- تسبّح بحمد ربّها ليلا ونهارا، ولذلك لنا الأجر عندما نعتني بالأرض، ويبارك لنا الله في آجالنا بسبب العمل الصالح، وأن ننام وليس في قلوبنا ذرة غل أو حقد على أحد ونحن مرتاحو الضمير.
تنام خالتي حورية مبكرا بعد صلاة العشاء بوقت قصير، إلا في ليالي الشتاء الباردة حين تسهر العائلة الممتدة على ضوء نار الموقد، حيث تستلقي لتراقب ألسنة النار الصغيرة وهي تتحول إلى جمرات متقدة، وتتحدث لكل من يجلس معها للتسامر حتى تستسلم للنعاس وتنام، وتصحو عند آذان الفجر وأحيانا قبله لتبدأ يوماً جديداً مليئاً بالنشاط والحيوية والعمل والتفاؤل.

في داخل خالتي “حورية” حكايات تجر روايات، فالعجوز التي بلغت من العمر عتيّا تضع يداها الطاهرتان فوق رأسها المحتلة بتساؤلات التفكير وتتساءل: هل سيكون تنظيف قارعة الطريق ومحيط المنزل وموقف الحافلات شاقاً أم سيراعي الجيران والمارة والمسافرون ما أتكبّده من سهر على النظافة والصحة العمومية خاصة وأن صحتي تم استهلاكها في هذه الممارسة التي أقوم بها منذ زمن بعيد.

أقصى ما تتمناه كلمة شكر والحفاظ على ما تقوم به

ووسط نظرات الجيران والمارة ينأى فكرها عن التخيل لترى نفسها وسط المكرمات في عيد المرأة المصادف للثامن مارس من كل سنة غدا الجمعة، إلا أن أقصى ما تتمناه هو كلمة شكر وثناء على ما تقوم به من سلوك حضاري منذ عشرات السنين دون أن تحظى بالتفاتة من السلطات الوصية كعربون شكر على ما تقوم به.

ترفع الراية الوطنية في عيد الاستقلال بعد 132 سنة من الاستعمار

خالتي “حورية” وجدناها وهي منهمكة بكنس الطريق كعادتها، وفي نفس الوقت تجر شريط ذكرياتها في الطريق أيام كانت تجري في شوارع بورقيقة في ذات الخامس جويلية 1962 ، وهي رافعة العلم الوطني باليد اليمنى وابنها البكر بالذراع الأيسر عندما كان في عامه الثاني، رفعت الراية الوطنية فرحاً بالاستقلال بعد 132 سنة من الاستعمار الفرنسي وهي تصدح بأعلى صوتها “تحيا الجزائر”.

حب الوطن يسري في عروق ابنة الفاتح نوفمبر

خالتي حورية التي ولدت في شهر الثوار وبالضبط في ليلة الفاتح نوفمبر من العام 1941 ، روت لنا ذكرياتها وجزء من حياتها عندما تعرضت لكسور على مستوى الرجل اليمنى أثناء تنظيف الشارع مع خضوعها لعمليتين جراحيتين، كما لم يثنها فقدانها لخمسة من أبنائها قبل أن يولدوا من أصل 11 ابن عن العمل الكثير والكلام القليل، عيناها الباهتتان تحجر فيهما الدمع وهي تنظر إلى المركبات المارة بسرعة لتتذكر يوم فقدت إحدى حفيداتها في حادث أليم غير بعيد عن المسكن العائلي أثناء قطعها الطريق.

الإشكالية أنها لا تلقى التقدير المطلوب، فنظرات الناس لها عابرة ومرور الأشخاص بجانبها أسرع من غبار التراب الذي تكنسه وهو مختلط بالعلب الفارغة والمناديل الورقية المهلهلة والجرائد التي تستعمل للجلوس تحت الأشجار المصطفة على طرف الطريق، فضلاً عن الأكياس ونحو ذلك.

تقتطع من منحة زوجها المتقاعد لاقتناء مواد التنظيف

ذاب حذاؤها البلاستيكي بفعل المشي تارة والجلوس تارة أخرى وهي تتحسر على موقف الحافلات الذي طاله الإهمال والتخريب وسوء الأشغال التي عجلت باهترائه وتساقط قرميده، حيث تعكف على جلب مواد التنظيف من منزلها ومن مالها الخاص الذي تقتطعه من منحة زوجها المتقاعد لإعادة بريقه، وفي نفس الوقت لا زالت ملابسها نقية وهي على يقين أن لونها سيتغير بفعل الغبار وستضطر للاستحمام لاحقا حفاظا على نظافة جسمها كما روحها.
جل جيرانها منشغلون بقضاء حوائجهم أو بالجلوس على قارعة الطريق، أما حال خالتي “حورية” فيبدو صعباً، ليس على نفسيتها فهي أقبلت على تنظيف الشارع دون تلقي المساعدة من أحد ومنذ عدة عقود من الزمن وأمسكت بالمكنسة وفيها إصرار، إلا أن هناك وميض من الذكريات يختلط مع أحبال الأمنيات الذي يشنق أي رجاء لديها في أن يظل الشارع نظيفا وأن يلقى الحي اهتمام السلطات وتطاله مشاريع التهيئة.

تصر على سلوكها الحضاري وهي فوق كرسي متحرك

وروت لنا حادثة إصرارها على تنظيف الحي وهي على كرسي متحرك، حيث صادف تواجدها بالحي مرور طبيبها المعالج بالتأهيل الحركي، هذا الأخير لامها على تصرفها الذي قد يلحق بها الأذى، إلا أنه سرعان ما اقتنع بتبريراتها المتعلقة بالنظافة والصحة العمومية.
رغم كل حكاية تتوارى خلف ملامحها، إلا أن الشيء الثابت الذي يسيطر على المشهد، أنها جندية مجهولة عشية عيد المرأة، وعليه فإن الكل مطالب بالتعامل معها باحترام، ليس في أسلوب التعامل وإنما في سلوك النظافة.
ودّعنا خالتي حورية وتابعنا سيرنا وهي تلح علينا لارتشاف فنجان قهوة في صورة تعبر عن دماثة الخلق والجود والكرم، حيث اكتفينا بدعاء الخير أن يحفظنا رب العزة ويجعل بلدنا آمنا لغد أفضل.

بورتريه : بلال لحول

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام