
عاشت ولاية تيبازة خلال الساعات الأخيرة مثلها مثل باقي ولايات الوطن، أجواء الحادثة المأساوية لسقوط الطائرة العسكرية بالقرب من القاعدة الجوية ببوفاريك، والتي راح ضحيتها 257 من شهداء الواجب الوطني، فاجعة نزلت كالصاعقة على الشعب الجزائري عموما وعائلات الضحايا بالخصوص، وهم يستمعون لأسوء الأخبار…وبأرقام راحت تحصي العشرات ممن صادفهم القضاء والقدر موتا، حينها بكت العيون وتقطعت قلوب الآباء والأمهات، حزنا على فراق فلذات أكباد رحلوا للمرة الأخيرة..بل تركوا وراءهم فراغا رهيبا لدى أفراد عائلاتهم ومقربيهم، ليكتب تاريخ الـ11 من أفريل 2018 بالدماء في قلوب، تعمّقت جراحها بحدث استقطب أنظار العالم تعزية ومواساة.

شرشال واحدة من المدن التي قدمت شهيدا في عمر الزهور “عبد الحليم حمداني”، صاحب الـ24 عاما والمعروف لدى أصدقائه ومقربيه بأخلاقه وتواضعه، فكان مبتسما بطرافته ومزاحه في ليلة عائلية هادئة وأخيرة بمنزله (حي العباسي محمد/الثانوية الجديدة)، وبهدف العودة إلى ثكنته العسكرية بتندوف رفقة صديقه، الذي لفظ هو الآخر أنفاسه بعين المكان في أثقل حصيلة للملاحة الجوية بالعالم منذ سنوات، لتنتهي “إجازتهما” على وقع “جنازتهما” وسط حشد غفير للمواطنين، المتوافدين تباعا لمنزل الضحية قصد تقديم خالص التعازي، ولسان حالهم تحدث عن “شهيد” ارتقت منزلته لدى المولى سبحانه.

شرشال نيوز عاشت هاته الأجواء الحزينة رفقة عائلة الشهيد “عبد الحليم حمداني”، فالدموع لم تفارق والده “العربي” وهو يتذكر آخر لحظات ابنه قبل أن يسطر هدف التنقل إلى مطار بوفاريك العسكري صبيحة الواقعة الأليمة، “استيقظنا باكرا في حدود الساعة الثالثة صباحا، وقمت بإيصاله إلى مكان توقف الحافلات بالثانوية الجديدة، أين قام والد صديقه الشهيد (زهير جمال من سيدي غيلاس) بإيصالهما معا إلى المطار ومنه ركوب الطائرة نحو تندوف، “عندما سمعت بسقوطها كان لي إحساس كبير بأن ابني ضمن قائمة الضحايا، فتوجهنا مباشرة لمسرح الحادثة للتأكد من حقيقة راودتني لحظة الفاجعة، نسأل الله العلي القدير أن يتغمده برحمته الواسعة”، أما “أمّه” فقد ودّعت ابنها الوحيد “ذكرا” بكثير من الحرقة وبدموع… أشعلت حنينها إليه.

عائلة الفقيد كانت تترقب خبر نقل جثمان الشهيد “عبد الحليم حمداني” سريعا، من مستشفى عين النعجة العسكري لمسقط رأسه، بعد انتهاء المصالح المختصة في عملية التحديد العلمي لهويات الشهداء، تمهيدا لإرسال جثامينهم إلى ولاياتهم الأصلية، أين نزلت مصالح الدرك الوطني بشرشال صبيحة هذا الخميس 12 أفريل لمنزل الضحية، مباشرة لتحقيقاتها والإجراءات التي تسبق وصول جثمان “شهيد الواجب”، رفقة الخلية التقنية للدرك الوطني بتيبازة، على أن يشرع بعدها أفراد عائلته بالتحضير لمراسيم جنازته ودفنه بالمقبرة.

الفقيد “عبد الحليم حمداني” يدخل منزله “شهيدا” تحت الزغاريد

جثمان الفقيد “عبد الحليم حمداني” وصل الى شرشال عصرا وسط تعزيزات أمنية مشددة للسلطات الأمنية والعسكرية، عبر سيارة اسعاف تابعة للحماية المدنية والتي أقلّته الى منزله في نظرة أخيرة لأفراد عائلته، تتقدمهم الأم التي ذرفت دموع الفراق وأب لم يكن قادرا حتى على امساك صورة ابنه بين يديه، وجيران التفوا حول المصاب الجلل بكثير من التعازي وآخرون جاؤوا من كل النواحي لأداء واجب المواساة.

والي ولاية تيبازة “موسى غلاي” يحضر مراسيم جنازة شهيد الواجب بشرشال ويعزّي والده “حمداني العربي”

جنازة شهيد الواجب بشرشال “عبد الحليم حمداني” تأخرت إلى غاية عصر هذا الخميس 12 افريل، اثر تأخر إجراءات نقله لمسقط رأسه …والحدث حضره والي ولاية تيبازة “موسى غلاي” تعزية لوالد الفقيد “حمداني العربي”، مرفوقا بالسلطات الأمنية، العسكرية، الحماية المدنية بالمنطقة، ناهيك عن السلطات المحلية من رئيسي دائرة وبلدية شرشال “السعيد أخروف” و”جمال أوزغلة” وكذا رئيس دائرة الداموس “مسعود قمامة”، مواطنون يمثلون مختلف الأحياء بالمدينة، أصدقاء ومقربون …في مشهد التف حوله الجميع حشدا غفيرا، ورفعت فيه أكف الضراعة للمولى عز وجل أن يتغمده برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جنانه، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان، تأمينا للدعاء الذي تفضل به الشيخ “موسى زواوي” على مسامع الجمع الحاضر بالمقبرة.

رحل من اختار الدفاع عن الوطن في سن مبكر فلطالما ردد لسانه شعارا “وطني وطني غال الثمن، روحي مالي نفسي بدني، وأنا الحامي لك في المحن، لتعش حرا طول الزمن”، ليحول السقوط الاضطراري للطائرة بينه وبين إمكانية إنقاذ نفسه من الهلاك، وبينهما…استحالة الهروب من القضاء والقدر، حينها سّجل التاريخ اسمه في السجل الذهبي للشهداء…”إنا لله وإنا إليه راجعون”
سيدعلي هرواس