الدكتورعاشور فني (أديب جزائري وباحث أستاذ بجامعة الجزائر): غياب الصحافة المحلية؟ بل غياب الموضوع الإعلامي أصلا

achour2

 

غياب الصحافة المحلية؟ بل غياب الموضوع الإعلامي أصلا…


 



نشأت الصحافة الجزائرية في خضم الحركة الوطنية والصراع من أجل إثبات الهوية الثقافية الوطنية في مواجهة الاحتلال الاستيطاني ثم نمت وتطورت في ظل البناء الوطني تحت إشراف المؤسسات الرسمية: الحكومة والحزب الواحد، ولذلك انطبعت الصحافة في الجزائر بسمتين أساسيتين: غلبة البعدين السياسي والوطني. وقد أضاف أحد الباحثين المختصين إلى ذلك الطابع الأدبي للصحافة الجزائرية (الدكتور زهير إحدادن).

 لقد ترتب عن  السمة الأولى (غلبة البعد السياسي) أن كانت الصحافة توضع في خيانة السياسة  أكثر مما توضع في خانة العمل المدني المستقل بكيانه. ومازال كثير من الصحافيين يعتبرون أن عملهم مكمل للعمل السياسي: وفي ظل هزال الحركة السياسية الوطنية وضعف الوعي لدى الأجيال الجديدة الصحفيين انزلق العمل الصحفي إلى نوع من تبرير أفعال السلطة أو انتقادها باعتبارها هي العمل السياسي كما يعونه. وهكذا تكرست خاصية أسياسية في الصحافة الجزائرية: التبعية للممارسة السلطوية سلبا وإيجابا: غلبة الموضوع السياسي وغياب الموضوع الإعلامي أصلا في الصحافة… إن المعلومات التي يجتهد الصحفي في الحصول عليها أو يشكو من صعوبة الوصول إلى مصادرها هي المعلومات التي لها علاقة بالسلطة بقصد الانتقاد أو التأييد ظنا منه أن ذلك هو عمل الصحفي أو واجبه. هكذا غاب جوهر العمل الصحفي  في الصحافة الوطنية: الخبر الموضوعي الذي لا يرمي إلى تأييد السلطة أو انتقادها وإنما يرمي إلى نقل المعلومة الصحيحة للقارئ.  وغابت أيضا أنواع الصحف الكبرى المشهورة: الصحافة الاستقصائية الإخبارية التحليلية والصحافة المتخصصة.

أما السمة الثانية (غلبة البعد الوطني) فقد ترتب عنها أن كانت الظاهرة الصحفية مرتبطة بالسمة الوطنية في بعدها الجغرافي الإداري: فالصحف كلها ( إخبارية وطنية عامة)  مقرها العاصمة وإن كانت في إحدى المدن الأخرى فطموحها أن تمتلك مقرا بالعاصمة. واهتماماتها مكررة يعكسها تبويبها المستنسخ في معظمه بنفس التسميات تقريبا. فإلى طابعها الإخباري العام يضاف نمط تبويبها المتشابه. وقد تشترك في شيء عام وهو غياب الموضوعية في المعالجة الإعلامية. لذلك تظهر الاختلافات الكبرى في الخط التحريري بدلا من أن تظهر في طبيعة المعالجة أو في التخصص الموضوعاتي او الإقليمي.

أما السمة الثالثة وهي السمة الأدبية فقد ترتب عنها أن الصحافة  سارت في اتجاه نمطي يقوم علة تنميط الموضوعات الصحفية وتشجيع المحاولات الإنشائية حول الموضوع بدلا من الاستقصاء والتحري والتحقيق. وقاعات التحرير تعج بالأنشطة الكتابية التي لا علاقة لها بالحقيقة الموضوعية المتحركة في شكل أحداث ووقائع متنوعة متغيرة حية فالتمرين الصحفي تمرين كتابي بالأساس بدلا من التدريب على فنون الخبر والاستقصاء.

وقد ترتب عن هذه السمات الثلاثة أن نشأت نزعة مهيمنة لدى القارئ المفترض للصحافة: قارئ أدبي مسيس سلبي أساسا لا يقبل  من الصحفي إلا التطرق للظاهرة السلبية. بل اصبحت بعض الصحف تغذي نزعة الإثارة والتحريض إلى درجة أصبحت فيه وظيفة الصحافة هي الإمتاع والهروبية بدلا من طلب الأخبار والتوعيةك أخبار القتل والخطف والاغتصاب والسرقات والفضائح المنشورة في الصحافة تنبئ بأنها تصدر لقراء في مستشفى الأمراض العقلية أو مقبلون على الموت لا لقراء سليمي العقل يساهمون في الحياة ويشاركون في الحياة الوطنية. الإثارة بكل أشكالها (أخبار القتل والسرقات والتدليس وأخبار الجنس وفضائح الفنانين وموضوعات الجن والشياطين وعذاب القبر والفتاوى الشاذة ) هي نتيجة النزعة التجارية المفرطة للصحافة.

لقد تمت تغذية هذه النزعة لدى القارئ من أجل ابتزازه بأشكال التمييع والترهيب والتضليل حتى أصبح القارئ نفسه لا يقبل غير ما زرعته في وعيه تلك الصحف التجارية.

 المال العام وتعبئة أموال الشركات الخاصة. وفي مرحلة ثانية تم الاستغناء عن هذا القارئ أصلا فقد أصبح البحث عن الموارد الإعلانية أهم من البحث عن قارئ ذي احتياجات محددة. وهكذا حلت السوق الثانية (سوق الإشهار) محل السوق الأولى (سوق القراء)

تلك هي العناصر التكوينية في الصحافية الجزائرية  وكلها ترجح توجها عاما هو المشهد الذي تعرفه الصحافة الوطنية حاليا: ما يزيد عن ثمانين صحيفة يومية في غياب الصحف المحلية والمتخصصة. في الوقت الذي تعرف فيه البلدان الأخرى غلبة الصحافة المحلية والمتخصصة.

 

أما ما يعيق بل يمنع ظهور الصحافة المحلية في الوقت الحاضر فعدة عوامل حاسمة كل منها يحتاج إلى وقفة خاصة مثل:تأخر ظهور الوعي بالمجتمع المحلي واحتياجاته ؛عدم الاعتراف بالخصوصيات المحلية؛ضعف الديناميات المحلية في غياب المحرك الأساسي وهو إرادة السلطات المحلية؛ تمركز الوسائل الضرورية للصحافة (المطابع وإمكانيات التحرير) في العاصمة والمدن الكبرى (قسنطينة  وعنابة وهران)؛ تمركز شركات توزيع الصحافة؛ غياب المبادرة لدى المجتمع المدني لتأسيس إعلام محلي مرتبط بالحياة الاجتماعية؛ بنية سوق الإعلانات الاحتكارية؛ ضعف المقروئية الفعلية للصحافة مما يضطر الناشر للبحث عن الموارد الإعلانية قبل البحث عن القارئ  وخدمة  احتياجاته الإعلامية؛

غير أن هذه الوضعية ليست طبيعية وهي غير قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية: يكفي أن تحرر سوق الإعلانات  ويعاد النظر في توزيع الإعانات التي تجري في شكل دعم لورق الطباعة  وتفتح سوق الإعلام المرئي المسموع حتى تتغير المعطيات الهيكلية. لكن ذلك كله مشروط بالقرار السياسي المرهون بدوره بدرجة الوعي السياسي والاجتماعي للقارئ وللصحافيين أنفسهم. وتلك مسالة أخرى.


زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: