الحَوكمة الرقمية وسيلة لأخلقة المجتمع ومحاربة الفساد

عمدَت منظومة الحكم السائدة في العشريتين الأخيرتين على تشجيع تفشي الفساد في المجتمع الجزائري، لحماية مصالحها التي كشفت المحاكماتُ الأخيرة لأفراد العصابة عن  مصادرها غير الشرعية، حيث عملت على توريط فئات عريضة من مستخدمي الدولة، وحتى المواطنين البسطاء في ممارسات فاسدة، رغم تبنيها لخطاب محاربة الفساد ووضعها لآليات لمكافحته إلا أنّها ظلّت عقيمة ودون جدوى، بل كانت هي السبب في تعطيلها.

وتجلّت مظاهر تعميم الفساد في الكثير من الممارسات، إلى أن أصبح بعضُها روتيني يُمارس دون وازع يردعُها، ولا خوف من آثارها العقابية، لتتحوّل إلى ثقافة يتقبّلها المجتمع كنوع من الذكاء لا غير، حيث لا يتردّد وليُّ تلميذ عن تزوير كشف النقاط من أجل إنقاذ ابنه من الطرد أو ضمان مكان له في مؤسسة تربوية أخرى، ولا يتحرّج طالب جامعي من نسخ مذكرة تخرّج وتقديمها باسمه، رغم علمه أنّها سرقة علمية موصوفة.

ولم تتوقّف مظاهر الفساد عند أيّة حدود، حين أصبح تزوير كشوف الرواتب وشهادة الإقامة يمكّن صاحبه من الحصول على سكن اجتماعي، بتورطّ بعض مستخدمي الإدارة المحلية وأعوان الدولة.

هذه الممارسات وغيرها، تكشف أنّ تمسّك منظومة الحكم في تلك الفترة، بالنّظم الإدارية التقليدية كان عن وعي تام وإرادة مُبيّتة للحفاظ على ثغرات في كومة الأوراق والوثائق المفروضة في الملفات الإدارية، رغم شروعها في رقمنة العديد من الجوانب الإدارية، وادّعائها بمواكبة التطوّر الذي عرفته تكنولوجيات الإعلام والاتصال، إلا أنّ التعامل الفعلي مع المواطنين والمتعاملين ظلّت تُسيّره بالطرق التقليدية الهشّة.

الرقمنة من ذرّ الرماد في العيون إلى الحَوكَمة في تسيير الشأن العام

ومن جهته، لم يفوّت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في الكثير من المناسبات، فرصة تشخيص هذه الآفات التي نخرت كيان الشعب والدولة على حدّ سواء، ما جعله يطرح ضمن أولويات برنامجه، أخلقة المجتمع، إلى أن تضمّن مشروع تعديل الدستور دسترةَ السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، وبالتوازي تعمل الحكومة على إطلاق مشاريع الرقمنة في كافة القطاعات، ومرافقتها بشكل مستمرّ لبلوغ هدف تعميمها على كافة المعاملات الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة بحياة المواطنين اليومية ومصالح المتعاملين الاقتصاديين مع ضمان حقوق الدولة.

وقبلها كان تبون، قد أعلن في خطاب اليمين الدستورية، على “أن الدولة ستسعى جاهدة لتطوير شبكة الدفع الإلكتروني وتحضير الجزائريين للتخلي عن التعاملات المالية التقليدية تدريجيا”. إنّ بلوغ هذا الهدف سيكون متبوعا بشكل حتمي بمعاملات الكترونية شبيهة في كافة القطاعات، بل سيكون نتيجة للرقمنة المنتهجة، والتي لا تتوقّف عند مصالح الحالة المدنية كما كان سائدا فحسب، بل ستمسّ الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة بالمعاملات مع مصالح الدولة في شقّ حقوق وواجبات المواطنة.

كوفيد19… أزمة صحية ونعمة رقمية

لقد كان للأزمة الصحية التي عرفتها الجزائر على غرار دول العالم جرّاء فيروس كورونا المستجدّ، وما ترتّب عنها من إجراءات وقائية أثرا كبيرا في دفع المعاملات الالكترونية نحو التعميم في مصالح عديدة ومختلفة، تطلّب ذلك استغلال الشبكات بشكل لم يُعرف له مثيل من قبل، لضمان التباعد الجسدي، والحدّ من التنقّلات التي كانت سببا في تفشي هذا الوباء، فبعقد دورات مجلس الوزراء بواسطة تقنية التحاضر عن بعد، أعطى الرئيس أنموذجا لاستغلال التقنيات الحديثة لتكنولوجيا الإعلام والاتصال، بالرغم من قدرة السلطات العليا على استعمال طرق أخرى كفيلة بضمان عدم انتقال العدوى بين أعضاء الحكومة، إلا أنّ الرئيس اختار أن تكون القدوة من هرم السلطة، ليُشرع في عملية نقل الوثائق بواسطة شبكة الأنترنيت في قطاعات عديدة ذات الصلة بين المواطنين وهيئات الدولة، على غرار صناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، لضمان استمرارية خدماتها لفائدة منتسبيها. كما شهد قطاع الصحة في هذه المرحلة الوبائية، تطويرا كبيرا لقدراته الرقمية و استغلالا قياسيا لها.

إن تزامن الإرادة السياسية في تعميم الرقمنة مع الوضع الصحي المستجد، أعطى نَفَسا هائلا لهذا المسعى، حيث شهدت مختلف القطاعات حركية تصاعدية لمصالحها للإعلام الآلي والأنترنيت، بما في ذلك السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حيث حضّرت استفتاء تعديل الدستور بواسطة الرقمنة، سواء ما تعلّق بمراجعة القوائم الانتخابية أو التحضير لتأطير هذا الموعد الوطني الهام. كما تتواصل عملية التصريح بالحسابات الاجتماعية للسنة الجارية عبر الأنترنيت، وآخر تجليات نوايا تعميم الرقمنة، جاءت في تصريح الوزير الأول عبد العزيز جراد من الجلفة، حين شدّد على ضرورة تسيير أسواق الجملة بواسطة الرقمنة وإضفاء الشفافية على المبادلات التجارية.

الحكومة الرقمية آلية تقنية لأهداف سياسية

ولكن هذه الجهود المبذولة، تتطلب تنسيقا تاما بين الهيئات العمومية لبلوغ المساعي المنشودة من العملية وتحقيق الأهداف السياسية للبرنامج الرئاسي المبني على الشفافية، ووضع حدّ لا رجعة فيه للفساد الذي عمّمته العصابة طيلة العشرين سنة الفارطة. والتنسيق بين الهيئات العمومية يتطلّب دمج العمليات الرقمية لتنمية معالم الحكومة الالكترونية بعد مسح شامل للمعطيات، يشمل الهيئات والمؤسسات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والمواطنين بالاستفادة من تكنولوجيات الإعلام والاتصال وجعلها وسيلة للتنمية المستدامة بإشراك المجتمع المدني في هذه العملية وفي صناعة القرار، حيث سيسمح المسح –أيضا- ببروز مجتمع مدني فعّال، بعد غربلة حقيقية تطرح جانبا المندسين ومستغلي الفرص لزرع الفوضي وزعزعة الاستقرار، أو الاستفادة من المزايا غير المستحقّة وبغير وجه حقّ، باستغلال ثقة المواطنين أو ادّعاء تمثيلهم.

كما ستساهم عملية دمج العمليات الرقمية، وتنمية الحكومة الالكترونية، في تحييد تواطؤ جزء من الإدارة، وتستّر بعض أعوانها الذين استفادوا من مزايا النظام السابق، فالملفات الإدارية الضخمة كانت عُشّا للفساد ومرتعا للجشع والابتزاز، الأمر الذي كان يؤدي دوما إلى تعطيل وتأجيل الاستفادة من التقنيات الحديثة لتكنولوجيا الإعلام والاتصال.

إن الحكومة الالكترونية في مفهومها الشامل، كما طرحه البنك الدولي، تستوجب من “الدولة توفير لنفسها القدرة على تحويل العلاقات مع المواطنين ورجال الأعمال ومختلف المؤسسات الحكومية”، وهو ما تجلّى في برنامج رئيس الجمهورية، منذ حملته الانتخابية، حيث يُعدّ الربط بين مكافحة الفساد والشفافية في التسيير من جهة وتنمية القدرات الالكترونية والرقمية من جهة أخرى، هو هدف سياسي واحد، لا يمكن الفصل بينهما، ما سيؤدي حتما إلى دمج الخدمات الالكترونية وتوحيدها نحو نافذة رقمية موحّدة، ما سيكون بديلا للشبّاك الموحّد الذي ظلّ يجترّ الطرق البالية في التسيير الإداري لمصالح المواطنين والمتعاملين الاقتصاديين على وجه الخصوص، حيث أكّد الرئيس خلال إشرافه على افتتاح الندوة الوطنية حول مخطط الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، على ضرورة الإسراع في رقمنة كل القطاعات الاقتصادية و المالية لإزالة “الضبابية المفتعلة” في هذه القطاعات وتكريس الشفافية قصد النهوض بالاقتصاد الوطني.

وعلى صعيد البُنى التحتية والوسائل التقنية لمواكبة هذه السياسة، كان رئيس الجمهورية قد أمر شهر أوت الماضي، خلال مجلس الوزراء،  وزيرَ البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال بإنهاء مشكلة تدفق الأنترنيت فورا وإعداد تقرير مفصل عن ذلك، كما سجّلت رزنامة مجلس الوزراء المزمع عقده هذا الأحد 18 أكتوبر ملف تدفّق الأنترنيت ضمن جدول أعمالها، ما يكشف عن جدية الطروحات، واستشراف المستقبل في إطار هذه الدعائم.

وتكشف هذه المقاربة السياسية لبرنامج رئيس الجمهورية ما فضحه الحراك الشعبي من تضاد وهُوّة بين الخطاب الرسمي للنظام السابق والواقع الذي استفحل فيه الفساد حتّى تحوّل إلى آليات للتسيير المؤسساتي وذهنية تَحكم وتتحَكّم في السلوكات الاجتماعية إلى أن أفضى إلى انسداد فكّته الضمائر الحية في لحظة تاريخية أنقذت البلاد من الاستمرار نحو المجهول.

وتطرح الحكومة الحالية مشروع الرقمنة بالمحمول السياسي المتضمن في البرنامج الرئاسي لبلوغ حوكمة رقمية من شأنها إدارة الشأن العام نحو شفافية التسيير والمعاملات، تعمل من جهة على تيسير الحياة الكريمة للمواطنين وإشراكهم في التنمية المستدامة المتوخاة وتكافؤ الفرص أمام مكوّنات الأمة من طاقات بشرية خصوصا الشبانية منها المؤهلة للاندماج في العالم الرقمي  بفضل تكوينها الحديث، ومنها ايجاد بيئة اجتماعية رقمية، ما يُعدّ لبنة أساسية لإعادة بعث الحياة الوطنية والمضي قُدما نحو جزائر جديدة.

حسان خروبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق